أبو الليث السمرقندي
538
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً أي : رصدا لكل كافر ويقال : سجنا ومحبسا لِلطَّاغِينَ مَآباً أي : للكافرين مرجعا ، يرجعون إليها . لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً يعني : ماكثين فيها أبدا دائما . والأحقاب وأحدها حقب ، والحقب ثمانون سنة ، واثنا عشر شهرا ، وكل شهر ثلاثون يوما ، وكل يوم منها مقدار ألف سنة مما تعدون بأهل الدنيا ، فهذا حقب واحد ، والأحقاب هو التأييد كلما مضى حقب ، دخل حقب آخر . وإنما ذكر أحقابا ، لأن ذلك كان أبعد شيء عندهم . فذكر وتكلم بما تذهب إليه أوهامهم ويعرفونه ، وهو كناية عن التأبيد ، أي : يمكثون فيها أبدا . قرأ حمزة لبثين بغير ألف . والباقون لابثين بالألف ، ومعناهما واحد . [ سورة النبأ ( 78 ) : الآيات 24 إلى 40 ] لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً ( 24 ) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً ( 25 ) جَزاءً وِفاقاً ( 26 ) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً ( 27 ) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً ( 28 ) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً ( 29 ) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً ( 30 ) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً ( 31 ) حَدائِقَ وَأَعْناباً ( 32 ) وَكَواعِبَ أَتْراباً ( 33 ) وَكَأْساً دِهاقاً ( 34 ) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً ( 35 ) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً ( 36 ) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً ( 37 ) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً ( 38 ) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً ( 39 ) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً ( 40 ) ثمّ قال عز وجل : لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً يعني : لا يكون فيها برد يمنعهم من حرها . وقال القتبي : البرد النوم . وقال الزجاج : يجوز أن يكون البرد نوما ، ويجوز أن يكون معناه : لا يذوقون فيها برد ريح ، ولا ظل وَلا شَراباً يعني : شرابا ينفعهم إِلَّا حَمِيماً يعني : ماء حارا قد انتهى حره وَغَسَّاقاً يعني : زمهريرا . وقال الزجاج : الغساق ما يغسق من جلودهم ، أي : ما يسيل وقد قيل الشديد البرد . قرأ حمزة ، والكسائي وعاصم في رواية حفص ، وغساقا بالتشديد . والباقون بالتخفيف ، ومعناهما واحد . ثمّ قال : جَزاءً وِفاقاً يعني : العقوبة موافقة لأعمالهم ، لأن أعظم الذنوب الشرك نعوذ باللّه ، وأعظم العذاب النار ، ووافق الجزاء العمل . ثمّ قال : إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً